الشيخ السبحاني

104

رسائل ومقالات

وكذلك ناقض الذين زعموا أنّ اللَّه تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان تأكله النار ، فقال تعالى : « قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » « 1 » فناقضهم بذلك وحاجهم . وأمّا أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى : « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ » - إلى قوله : - « لا يَسْمَعُونَ » « 2 » ، فإنّها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد اللَّه بن الزبعرى - وكان جدلًا خصماً - فقال : خصمت محمداً وربّ الكعبة ، فجاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا محمد ! ألست تزعم أنّ عيسى وعزيراً والملائكة عبدوا ؟ فسكت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا سكوت عيّ ولا منقطع ، تعجباً من جهله ، لأنّه ليس في الآية ما يوجب دخول عيسى وعزير والملائكة فيها ، لأنّه قال : « وَما تَعْبُدُونَ » ولم يقل وكلّ ما تعبدون من دون اللَّه ، وإنّما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليوهم قومه أنّه قد حاجّه ، فأنزل اللَّه عزّ وجلّ : « إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى » يعني من المعبودين « أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ » « 3 » فقرأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، فضجّوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعهم وغلطهم ، فقالوا : « آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ » يعنون عيسى ، فأنزل اللَّه تعالى : « وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ » إلى قوله : « خَصِمُونَ » « 4 » ، وكلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصل ، وحجة لنا في الكلام

--> ( 1 ) . آل عمران : 183 . ( 2 ) . الأنبياء : 98 - 100 . ( 3 ) . الأنبياء : 101 . ( 4 ) . الزخرف : 57 - 58 .